بعد العواصف يأتي الربيع

أقترحت علينا المجلة عنوان “مرحبا جاري” لنكتب بعضاً من قصصنا مع المحيطين بنا . أخذت الأفكار تأخذني لمواقف مختلفة اختلافاً تاماً؛ كان من الصعب أن أحدد نوع تجربتي مع جيراني الجدد، هل أذكر الرائعين منهم أم من أضافوا لمسة القسوة الخاصة بهم كنوعٍ من الترحيب . سأروي القصة كلها حسب التسلسل الزمني لها ولنبدأ بالأسوء. وجدنا المكان الذي سيحتوينا أخيراً بعد عناء البحث عن المنزل المناسب الذي يتسع لعائلة كبيرة. عرضت علينا مالكة المنزل أن نلتقي بجيراننا المقيمين في الطابق العلوي ، فلم يكن هناك من يسكن المبنى المكون من ثلاث طوابق غيرنا نحن العائلتين . سُعدنا كثيراً بترحيبهم، كانو ودودين أو هذا ما تهيأ لنا. بعد مُضي يومان أو ثلاثة تلقينا اتصالاً من صديقتنا الألمانية التي ساعدتنا في إيجاد المنزل، تخبرنا به أن نلزم المنزل وألا نخرج أو نتعامل مع أحد؛ وبأنها ستأتي إلينا بسرعة. انتظرناها و علامات الدهشة و الإستفهام تعلو وجوهنا.فقد كانت موجودة عندما إلتقينا لأول مرة بالمقيمين في الطابق العلوي، ولدى وصولها أخبرتنا قائلة: السيد ميشائيل إتصلت بي وأخبرتني أن المقيم في المنزل المقابل لكم غاضب من كونكم عرب ويريد أن يشعل النار بالمنزل إن بقيتوا هنا. وهو ما أشعل الفزع في قلوب إخوتي الصغار، وتابعت ونحن في حالة ذهول قائلة: ولكنني لن أصمت عن هذا الهراء، سأذهب وأتحدث معه وإن لم يلتزم الهدوء سأتصل بالشرطة؛ لا تخافوا. تركتنا وسط نيران الألم في قلوبنا؛ فليس من العدل أن نهرب من نيران الحرب لِنُحرق بنيران الكره. عادت بعد قليل وترتسم على وجهها ابتسامة غريبة، فبادرناها الحديث بأننا نريد مغادرة المنزل فلا نريد المزيد من النيران لكنها قاطعتنا قائلة أن الرجل ليس لديه أدنى فكرة عن الموضوع وأنه لم يقابل أحد من عائلة ميشائيل ولم يُحدث أحد بشأننا؛ لقد كان غاضباً جداً من هذه الإدعاءات التي تفوه بها الجيران. ثارت أعصاب صديقتنا وذهبت مسرعةً للطابق العلوي لتفهم هذا الإلتباس، واجهتهم بالذي حدث فبدا الإرتباك عليهم وبدؤوا يختلقون القصص والأعذار، استمعت هي لخيالهم المليئ بالكره والنفاق، ثم أعلمتهم أنها ستخبر الشرطة للتحقيق بالموضوع فهكذا ترَّهات لن تمر بهذه السهولة إن لم نعلم الحقيقة، لم يستطيعوا الكذب أكثر بعد أن تأكدوا من أن صديقتنا جادة بموضوع الاتصال بالشرطة، واعترفوا أن قصة التهديد بحرق المنزل من إختراعهم، ظنناً منهم أننا سنترك المنزل فهم لا يريدون لغرباء أن يسكنوا بالقرب منهم. أكدت لهم صديقتنا أننا لن نغادر، بل من يفتعل المشاكل ويتسبب بالقلق للآخرين هو من سيغادر المنزل.
ومنذ ذلك الحين لم ينطق أحدنا بأكثر من سلامٍ عابر إحتراماً لتقابل عيوننا. إلى أن إنتقلوا إلى منزل جديد. مرت الأيام ولم يُطرق بابنا أو يُرن جرسنا .
لقد اعتدنا على هذا الهدوء المُطبق من حولنا ، فلا جارة ترسل إبنها وبيده طبق من أكلاتها الشهية ؛ ولا دكان صغير يلقي صاحبها السلام على المارة من جنبه .
حتى أطلت في يوم من الأيام من بين براعم الربيع التي كانت تعم الأرجاء حينها إمرأة تعلو وجهها ابتسامة مشرقة، تبعثُ الراحة في القلب طرقت باب منزلنا ، لكننا استغرقتنا بعض الوقت لنفتح فلم يكن من المعتادعلى مسامعنا هذا
الصوت ؛استمرت هي بالإنتظار محافظة على اشراقتها فتحنا الباب وبادلناها الإبتسامة ؛ وراحت تسترسل بقول أشياء كثيرة لم نفهم سوى بعضها، كانت تتحدث بلغة لم نُتقنها بعد . كان مما فهمناه بأنها جارتنا في الحي وترغب بالتعرف علينا.
وعندما استدركت موقفنا أخذت تتحدث ببطئ ورغمَ ضعفنا في اللغة الألمانية استطعنا التقرب منها ومن عائلتها . كانت متلهفة لمساعدتنا على تعلم اللغة واطلاعنا على الأنشطة التي تقام بالقرب من الحي الذي نسكن فيه .
شعرنا بالدفئ بقربهم. تمنينا لو أن العالم أجمع يتخلى عن التعميم؛ فلو بقيت عائلة ميشائيل راسخة في أذهاننا على أنها صورة تشمل الجميع لما استطعنا أن نمد يد السلام لأحد من جديد.
ومنذ ذلك الحين ظل الود ينتشر بين المنزلين فحين يعجز الكلام تعبر الابتسامة.

Written By
More from Nawara Ammar

فلنحيا بقلب طفل

لم أختر التسامح، هو من اختارني . هل تستطيع أن تبتسم في...
Read More