حلم الفراشات

Foto: Hareth Almukdad

لم أشاهد منذ أن غادرت وطني فراشة، ولطالما كنت كطفل أحسد الفراشات، أذكر جيداً أني تمنيت كثيراً أن أتحول إلى واحدة منها، لم أرى يوماً فراشة شريرة تتعارك مع أخرى، كنت أرى عالمها ملوناً تملأه الورود والأزهار تضيئه شمس ذهبية تمده بالدفء والنور، كنت أتخيل أن الفَراش يسمع الموسيقى طوال الوقت فطريقة طيرانه توحي بالرقص، يداعب نسمات الهواء بجناحيه، يدخل البهجة إلى عالمي الصغير.
نمت مرةً ورأيت نفسي في المنام فراشة، فالأحلام تفعل مايعجز الواقع عن تحقيقه. كانت الفراشات ودودة للغاية معي، فلا يأتي الكثير من الأطفال لزيارتها، كان لدى الفراشات عشرات الأسئلة لتطرحها علي، سألتني إحداها لماذا لا يطير الأطفال مثلنا ؟! فهي تتمنى أن تمشي على قدمين! بينما سألتني أُخرى لماذا تبنون بيوت لماذا لا تنامون على زهرة؟! كانت إحداهن منزعجة من زيارتي بعض الشئ تتمتم بعبارات سمعت منها ” إنهم يوقدون النار التي تحرق أصدقائي الباحثين عن النور، إنه لا يشبهنا، حتى أنه لا يملك جناحين فقد أخبرتني أمي أن الله لا يعطي أصحاب النوايا السيئة جناحين “. رفرفت بجانبي فراشة صغيرة وطلبت مني أن أخبرها ماذا نتعلم في المدرسة؟! فهي تراقبني كل صباح في طريقي الى مدرسة الحي .
طرت معها،كان جناحي ملونيين بالأزرق والوردي، كنت خفيفاً كريشة، إنتقلنا من زهرة لأخرى، داعبت قطة الجيران، ورأيت أمي تسقى أزهار المنزل كعادتها كل صباح، ناديت أخوتي ولكنهم لم يسمعوني، كان صوت موسيقى البشر عالياً جداً ومخيف، قالت الفراشة المنزعج من وجودي “هكذا هم البشر يحدثون الضجيج ، يقطفون الأزهار و يشعلون النار” فشرحت لها أن البشر منهم أشخاص طيبين كُثُر و أننا لا نؤذي الفَراش عن قصد، ولكنها كانت مصرة على رأيها.
دعتني فراشة لتناول الإفطار معها كان عبارة عن رحيق الأزهار، عرفت حينها أن الفراش يشرب نفس الرحيق كل يوم ولا يتذمرون ويرقصون بلا موسيقى، يحب بعضهم بعضاً. ولا يعرفون شيئاً عن جوازات السفر والحدود ولا يحتاجون لتأشيرات دخول للبلدان ويحب الفَراش الملون الفراشات السُمر وترقص الفراشات السُمرمع الفراشات البيض و أجمل مافيهم أنهم لا يكذبون !
استيقظت على صوت أمي تخبرني بأنه حان وقت الذهاب إلى المدرسة

More from حارث المقداد

البحث عن وطن

أمضيت السبع سنوات الأخيرة متنقلاً بين عدة دول قبل أن أستقر قبل...
Read More