العنف بين الثقافة والقانون

Fotos-Rouha Jabban

 

 

الأشخاص الذين يستخدمون العنف كوسيلة ومنهج للتأثير على الآخرين قد يكونوا هم أنفسهم قد تعرضوا لنوع من أنواع العنف الجسدي أو اللفظي أو النفسي، وبالتالي يستخدمون العنف كوسيلة للتعويض عن النقص الذي يشعرون به من خلال تعنيف أشخاص أصغر أو أضعف منهم 

من المؤسف أننا نجد نسبة كبيرة من الأطفال في المجتمع العربي ودول العالم الثالث تعرضوا للعنف بدرجات متفاوتة، لأن العنف بالنسبة للكثير من الأهالي هو أسلوب تربية يتقبله المجتمع بشكل جيد 

لقد وقعت بعض الدول العربية على اتفاقية حقوق الطفل مع هيئة الأمم المتحدة، لكن يتم تجاوز القانون أحياناً من قبل المسؤولين كرجال الشرطة مثلاً، وأفراد المجتمع، ومع ذلك يوجد من يمتلك الوعي ويلجأ إلى القانون في حال في تعرض الطفل للعنف وخاصة في حال حدوث أضرار بدنية، إِنّ التربية باستخدام العنف في المجتمع العربي لها أسبابها القوية ومن أهم هذه الأسباب

 أن رجال الدين لهم الأثر القوي في نشر تلك الثقافة، أن الطاعة للأبوين هي فرض ديني لا نقاش فيه حتى وإن استخدموا العنف ضد الطفل بطريقة مكررة، أضف إلى ذلك ضعف المراكز التأهيلية والغير كافية لنشر التوعية والتربية الخالية من العنف، الذي يقوم به جزء من أفراد المجتمع ويرونه أمراً طبيعياً ويمارسونه بكل انواعه النفسي والجسدي كوسيلة مثلى في التربية والتعليم، غير مدركين تأثيره السلبي والأضرار الناتجة عنه في المستقبل وأن هذه الأضرار تعيق تطور الفرد

إن إذلال الطفولة جريمة حقيقية لايتقبلها عقل ولا منطق فمن حق الطفل أن يعيش بسلام دون أن يعتدي عليه أحد لا بالضرب ولا حتى الكلمات القاسية، إنه شيء مؤذي ولا منفعة منه فلا المعلم ولا الآباء ولا المقربين من العائلة يملكون الحق والصلاحية باستخدام العنف لتوجيه الطفل لكي لا يقع في الأخطاء، ولا يعد العنف أسلوب صحيح إن وقع الطفل في خطأ ما

إنّ القانون الأوربي يطالب جميع الجاليات الإلتزام  بحق الطفل كما يلزم الأوربيين أنفسهم بذلك، لكن البعض من أبناء الجالية العربية دخلوا في صراعٍ نفسيٍ بين ما تربوا عليه وبين ثقافة المجتمع الذي انتقلوا للعيش فيه، فلا يستطيع الجميع تقبل ثقافة اللاعنف بشكل جيد

بالرغم من أنني أجد أنَّ التغيير الفكري  للأهالي مطلوب، فهنا في أوربا الطفل أولا ثم المرأة ثم الرجل وتتساوى الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، إن هذه الحقوق تطابق حقيقة الدين الإسلامي الصحيح وقد أخفى غالبية رجال الدين هذه الحقيقة، إنَّ الإلتزام بما ينص عليه القانون صعبٌ للبعض، فقد تمت برمجتهم على نهجٍ مختلف واعتادوا عليه، إنهم يرون الرجل أولاً وآخراً، والمرأة والطفل تابع خاضع تحت سيطرة الرجل وهو أمرٌ لا نقاش فيه عند فئة لا بأس بها من المهاجرين، ويعتقدون أنه من حق الرجل أنْ يعنف أولاده وزوجته وأخته إنْ لم يمتثلوا لأوامره تحت مسمى الطاعة متذرعين بأن الدين قد أمر بذلك، وكلما كان عنف الرجل وإجباره لعائلته على الخضوع أقوى كلما نال احترام المجتمع العربي من وجهة نظرهم

هذه النماذج التي قدمت إلى أوروبا تعيش صراعاً نفسياً، ولايستطيعون أنْ يتقبلوا أنّ للمرأة والطفل حقوقهم الخاصة، وعندما يتقبل أحدهم هذا الأمر ويبدأ  بالتحرر من سيطرة أفكار المجتمع الشرقي القائمة على الذكورة، ويعترف بحقوق المرأة والطفل، ويتعامل معهم برفق وعطف يتعرض إلى التنمر والسخرية، وتطلق عليه الألقاب غير اللائقة، وينتقصون من قيمته من قبل المتشبثين بسلبيات  الدين والفكر الشرقي

والمرأة التي امتلكت الجرأة والقوة، ورفضت وثارت على كل هذه السلبية الفكرية الدينية المجتمعية تتعرض أيضاً إلى التعنيف اللفظي والتنمروالإنتقاص من قيمتها، وتتهم بالانحلال، والطفل الذي يعرف القانون جيداً و يرفض الإنقياد بطريقة عمياء يراه الرافضين للتغيير أنه طفلٌ غير مهذب ولا يعرف الأدب.

إنَّ دائرة العنف حلقة  كبيرة تجر حلقاتٍ متسلسلة، فإنْ لم يخرج الفرد منها فهو يواجه مشكلة متشعبة، نحن من نملك قرار الخروج من سجن هذه المعتقدات الموروثة وتجاوز سيطرة المجتمع العربي الذي يفرض سيطرته علينا  حتى في أوروبا بشكل أقوى من ما يفرض في الدول العربية، على أنّه هويتنا وديننا وعارٌ علينا أنْ نتخلى عن هذه الهوية، إنَّ العطف والحوار وتقبل أطفالنا بتجاربهم وأخطائهم مهما كانت، أفضل وأسلم من أسلوب التعنيف، فكيف يمكن لإبنٍ عنفه أبواه أنْ يبادلهم المحبة؟ وكيف لعلاقات اجتماعية قائمة على التعنيف أنْ تعطي ثماراً نافعة



Dieser Beitrag ist auch verfügbar auf: Deutsch (الألمانية)

Written By
More from Gastbeitrag

من الحب العظيم إلى الجحيم 

عندما يزداد العنف يوماً بعد يوم  تروي لنا هناء (اسم مستعار) البالغة...
Read More