برلين في قبضة الوباء

Berlin

يعيش العالم أجمع في ظلّ جائحة كورونا (كوفيد 19) علامات ترقّب وخوف، وانتظار الأمل المعقود على الأطباء والعلماء في ايجاد الحل المتمثل باللقاح الذي من خلاله يتم القضاء على هذا المرض الثقيل عن هذا العالم، والذي توسع أكثر مما كان متوقعا”. في ظلّ هذه الجائحة، لاتبدو برلين هي المدينة التي عهدناها لأنها عادة ما تكون مليئة بالحياة بكلّ ما فيها من زخم الحركة والتواصل بين سكانها، أو القادمين للسياحة أو للدراسة أو للعمل فيها

المدينة، التي عادةً ماتكون مفعمة بالنشاط والحركة، ويتردد في جوانبها الأُلفة والبهجة، تبدو اليوم بائسة وحزينة وخالية من مظاهر الفرح والسعادة في فترة أعياد الميلاد، وبهجة النشاط الذي تتّسم به هذه الفترة من كل عام وكأن المرض قد نال منها واستكانت وهدأت. تبدو فارغة وكأن حظر التجوّل قد فُرض عليها

فبالرغم من بعض أضواء عيد الميلاد المبعثرة هنا وهناك، على واجهات بعض المحلات أوفي الشرفات، كانت وحيدة، تفتقد بهجة اجتماع الناس، خالية من أحاديثهم وضحكهم أو فرحة الجلوس حول الطاولات أوحول النار التي تبث فيهم بعض الدفء والمرح في ليالي كانون الباردة المتلألئة عادةً بأضواء وأشجار عيد الميلاد 

تجولت ليلة عيد الميلاد في الشوارع المحيطة حيث أسكن، وبالرغم من أنني أعيش في وسط المدينة بالقرب من الالكسندر بلاتس، هذي الساحة التي غالباً ما تكون مكتظة بأسواق الميلاد والناس والضحك، مليئة بالباعة والمغنين والراقصين وملاهي الأطفال وألعابهم، إلا أنها كانت فارغة بإستثناء قلة من الناس الذين يهرولون بسرعة وكأنهم يشيحون بنظرهم عن هول ظلمة الفراغ المسيطر في الساحة،  فلا يوجد فيها ما يضيء سوى مركز الشرطة، وبعض أضواء من واجهات المحلات المغلقة من حولها، شعرت خلال هذه الجولة بهاجس يتثاقل ومزيج من الرهبة وقليل من الخوف والفراغ

إن المدينة تحيا بأناسها، بضحكهم وأحاديثهم، بمدى ما تلقيه في قلوبهم من بهجة اللقاء، بأجواء المودّة والتآلف حتى بمجرّد تحيّة عابرة. عدت سريعاً للبيت بخطوات خائبة جراء مقارنة حال المدينة هذه السنة ٢٠٢٠ بالسنوات القليلة الماضية، ذاك الفرق الشاسع وانقلاب الحال لعل المدينة مثل الطبيعة، تعاني قسوة فصل شتاءٍ امتدّ ببرودته إلى الوجوه وكأن عيون الناس تنظر في الفراغ وتساؤلات عن القادم من الأيام، وكيف ستصبح الحياة بعد فترة طويلة من الحجر الصحي وعدم التواصل وفرص البقاء على قيد الحياة للأشخاص أنفسهم وعائلاتهم وأصدقائهم ومعارفهم، أسئلة مشوبة بالكثير من الاضطراب

 كلاجئ لايزال لدي أقارب وأهل في بلدي، ولدي خوف واضطراب مضاعف على صحة وسلامة الناس هناك، في ظل ظروف صعبة تكاد تنعدم مقومات الحياة الأساسية لديهم، بما في ذلك نقص في المياه والكهرباء والغذاء والدواء وانعدام الأمن والأمان. حيث لا يملك الناس هناك طرقا واضحة لمواجهة هذا المرض المنتشر بشكل هستيري

توالت على برلين الكثير من المحن، في بعضها دمّرت تماماً، إلا أنها مثل الطبيعة، قاومت وانتفضت وتألقت بعدها زاخرةً بصنوف الحياة ومظاهرها. وكما في كل مرّة ستنهض من جديد وسيزهر ربيع برلين في قلوب أناسها، وستخضرّ أشجارها،وتشرق شمس الأمل في سمائها، وتمتلئ أجوائها بضحكات الناس وفرحهم، وتتألّق روحها في وجوه أناسها وزائريها، تلك الغبطة تنتشر في هوائها 

.هي برلين، مهما تراكم البؤس والحزن في شوارعها، إلا أنها سرعان ماتنفض الغبار عنها وتنتفض مفعمة بالحياة من جديد

 

Tags from the story
More from Said Samer Balbicy

كن شجاعاً… كن متسامحاً

يصطدم الكثير من اللاجئين في دول لجوئهم بالكثير من المعوقات التي تتنوع...
Read More